تؤدي المحاضن التربوية دورا حيويا وهاما جدا في بناء شخصية المتربي وصياغتها بل لا نبالغ إذا قلنا بأنها – رغم قصر الوقت الذي يقضيه المتربي فيها – فاقت في التأثير كلا من البيت والمدرسة والشارع وغيرها من وسائط التربية في كثير من الأحيان.

غير أن تلك المحاضن باتت تواجه تحديات كبيرة ومنافسات حادة قد تحد من دورها أو تلغيه أحيانا. وهذا يحتم علينا تطوير هذه المحاضن وتقويمها وإعادة صياغتها بما يضمن استمرارها في أداء دورها وزيادة.

ويأتي هذا المقال كخطوة على طريق طويل ليثير اهتمام ويرعى انتباه القائمين والمهتمين بتلك المحاضن المباركة.


وهذه  مجموعة من الرؤى والأفكار حيالها:-

-         الأصل في التربية أنها عملية مستمرة حيث يجب أن لا تقتصر تربيتنا وتعاملنا مع المتربي داخل تلك المحاضن وحسب. حيث يجب أن ينظر للمحضن  على أنه بديل تربوي  ومن خلال المواقف الحياتية التلقائية اليومية ويظهر ذلك جليا من خلال تربية الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه حيث يخالطهم في مجالسهم وأسواقهم وبيوتهم ويربيهم من خلال تلك المواقف . وهذا يستلزم أن لا تقتصر تربيتنا وتعاملنا مع المتربي داخل تلك المحاضن فحسب  بل يجب أن تتسع لتشمل المواقف الحياتية المختلفة خارج ردهات المحضن.

 

-         حتى ندرك الدور الذي يجب أن يؤديه المحضن التربوي . يجب أن نفهم ما التربية . ولكي نصل إلى معنى قريب للتربية فإننا نحتاج أن نجيب على السؤال  التالي: ما هي الأدوار التي نريد من المتربي ممارستها في حياته المستقبلية؟
 وبعد أن نحدد تلك الأدوار . نقوم بصنع مواقف – داخل المحضن –  مشابهة لتلك المواقف الحياتية المرجوة منه مستقبلاً. ولعلي أوضح ذلك بمثال: نريد من المتربي أن يتخذ قراراته المستقبلية بصورة صحيحة وبدون تردد. وهذا يحتم علينا صنع مواقف داخل المحضن 
يقوم فيها المتربي باتخاذ قرارات هامة تحاكي تلك القرارات المتوقعة . كما أننا نأمل من المتربي أن يحل المشكلات التي قد تواجهه في حياته العامة أو الدعوية مستقبلا. كذلك يجب أن نصنع مجموعة من التحديات داخل المحضن يتصدى المتربي لها ويضع الحلول المناسبة والبدائل المتنوعة….وهكذا.

 

-         يوجد في بعض المحاضن التربوية شيئا من المثالية المتكلفة. فلا يتوقع ان يتحدث المربي والمتربي عن قضايا دنيوية أو عن المباحات أحيانا بل يتركز الحديث عن موضوعات جادة لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالتدين وعلو الهمة وغيرها… . ومع تسليمنا بأهمية التربية الجادة والاهتمام بمعالي الأمور. غير أن الإشكالية في الإزدواجية التي قد تطرأ على شخصية  المتربي من خلال محاولته الظهور بالمظهر الذي قد يرضي المربين والعاملين بالمحضن ومن ثم العودة خارج المحضن إلى اهتماماته الشخصية بعيدا عن تلك الضغوط.


-         تركز بعض المحاضن التربوية على جوانب محددة في بناء المتربي كجانب التدين وطلب العلم والأخلاق . وهذه ولا شك جوانب في غاية الأهمية . إلا أن الإشكالية تكمن في إهمال جوانب أخرى في شخصية المتربي أزعم أنها لا تقل أهمية عن تلك الجوانب كالجانب العقلي والنفسي والاجتماعي وغيرها. والضابط في ذلك هو التوازن والتكامل في البناء.


-         يؤخذ على بعض المحاضن التربوية عجزها عن مراعاة الفروق والاختلافات بين المتربين إذ غالبا ما يقدم  للمتربين برنامجاً موحداً لا يتم من خلاله مراعاة الفوارق والاختلافات. ومع تسليمنا بوجود قدر مشترك بين الجميع إلا أن هناك في المقابل قدر آخر من الاختلافات وجانب من المواهب الخاصة تحتاج إلى اكتشاف ورعاية.


-         تحتاج المحاضن التربوية إلى الاستفادة من مجموعة من النظريات التربوية الحديثة في مجالات علم نفس النمو ونظريات التعلم والنظريات التي تتحدث عن أنماط الشخصية ونظريات الذكاء ونظريات اكتشاف المواهب ورعايتها. وتحصل الفائدة من خلال تبني تلك النظريات وبالتالي صياغة البرامج على أساسها من خلال مختصين يواكب ذلك تدريب عملي للعاملين في تلك المحاضن.


-         في بعض المحاضن التربوية يقل التفاعل مع كل ما يدور خارج أسوار ذلك المحضن وهذا يكرس السلبية ويضعف من التفاعل الاجتماعي. إذ يجب أن تُضمن برامج المحضن مجموعة من البرامج التفاعلية التي تستهدف محيط أسرة المتربي ومدرسته وحيه إضافة إلى المشاركة بإيجابية مع المناسبات المختلفة والمؤسسات المجتمعية والتفاعل مع الأحداث المحيطة  بما يحقق رسالة ذلك المحضن ويزيد من تفاعل مخرجاته وفاعليتها.

وأخيرا يبقى لتلك المحاضن دورها الرائد وأثرها الفعال في صياغة شخصية إسلامية فاعلة تعود بالنفع على نفسها ومجتمعها وأمتها يصعب صناعتها في غير تلك المحاضن.

mashdood123@hotmail.com